سيد محمد طنطاوي

131

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والاستفهام في قوله - سبحانه - : * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ . . . ) * للتقرير . والخطاب لكل من يصلح له ليعتبر ويتعظ ، ويخلص العبادة للَّه - تعالى - . وقوله * ( يُولِجُ ) * من الإيلاج بمعنى الإدخال . يقال : ولج فلان منزله ، إذا دخله . . . ثم استعير لزيادة زمان النهار في الليل وعكسه ، بحسب المطالع . أي : لقد رأيت وشاهدت - أيها العاقل - أن اللَّه - تعالى - ، يدخل الليل في النهار ، ويدخل النهار في الليل ، ويزيد في أحدهما وينقص من الآخر ، على حسب مشيئته وحكمته . . وأنه - سبحانه - * ( سَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ . . ) * أي : ذللهما وجعلهما لمنفعة الناس ومصلحتهم ، كما جعلهما يسيران هما والليل والنهار ، بنظام بديع لا يتخلف . وقوله : * ( كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) * كل من الشمس والقمر يجريان في مدارهما بنظام ثابت محكم ، إلى الوقت الذي حدده - سبحانه - لنهاية سيرهما ، وهو يوم القيامة . قال ابن كثير : قوله : * ( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) * قيل : إلى غاية محدودة . وقيل : إلى يوم القيامة ، وكلا المعنيين صحيح . ويستشهد للقول الأول بحديث أبي ذر الذي في الصحيحين ، أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « يا أبا ذر ، أتدري أين تذهب هذه الشمس ؟ قلت : اللَّه ورسوله أعلم . قال : فإنها تذهب فتسجد تحت العرش ، ثم تستأذن ربها ، فيوشك أن يقال لها : ارجعي من حيث جئت » « 1 » . وقال الجمل : قوله : * ( إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) * قاله هنا بلفظ * ( إِلى ) * ، وفي سورتي فاطر والزمر ، بلفظ « لأجل » ، لأن ما هنا وقع بين آيتين دالتين على غاية ما ينتهى إليه الخلق ، وهما قوله : * ( ما خَلْقُكُمْ ولا بَعْثُكُمْ . . . ) * الآية . وقوله * ( اتَّقُوا رَبَّكُمْ واخْشَوْا يَوْماً . . ) * الآية ، فناسب هنا ذكر إلى الدالة على الانتهاء ، وما في فاطر والزمر خال عن ذلك . إذ ما في فاطر لم يذكر مع ابتداء خلق ولا انتهائه ، وما في الزمر ذكر مع ابتدائه ، فناسب ذكر اللام ، والمعنى يجرى كل كما ذكر لبلوغ أجل مسمى « 2 » . وجملة * ( وأَنَّ اللَّه بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) * معطوفة على قوله : * ( أَنَّ اللَّه يُولِجُ . . ) * أي : لقد علمت أن اللَّه - تعالى - قد فعل ذلك ، وأنه - سبحانه - خبير ومطلع على كل عمل تعملونه - أيها الناس - دون أن يخفى عليه شيء منها .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 352 . ( 2 ) حاشية الجمل ج 3 ص 409 .